يرصد البودكاست العبري مايندفل بيبل جدلًا محتدمًا داخل أوساط يهودية أميركية وإسرائيلية حول لجوء بعض الأسر إلى إخراج أبنائها الدارسين في المعاهد الدينية بإسرائيل عبر مصر أو الأردن مع اتساع دائرة الحرب. ولا يقف النص عند حدود قرار السفر نفسه، بل يكشف انقسامًا أعمق بين يهود يعيشون داخل إسرائيل وآخرين في الخارج، وبين من يراهنون على المؤسسات اليهودية ومن يبحثون عن النجاة العاجلة.

 

غير أن هذا الجدل، مهما علا صوته داخل تلك الدوائر، لا يجوز أن يحجب الحقيقة الأشد قسوة: إذ يواصل الجيش الإسرائيلي سحق غزة، ويعمّق القتل والحصار والتجويع والتهجير معاناة الفلسطينيين يومًا بعد يوم، بينما ينشغل الخطاب الوارد هنا بأسئلة الهوية والثقة والرموز الدينية أكثر مما ينشغل بمأساة المدنيين تحت النار.

 

ويعرض البودكاست هذا السجال في لحظة يقترب فيها عيد الفصح اليهودي، حيث قرأت دانييل رينوف، المتحدثة في الحوار، خروج الطلاب عبر مصر بوصفه مفارقة رمزية وتاريخية جارحة. فقد رأت أن الهروب إلى مصر، التي ترتبط في الذاكرة الدينية اليهودية بقصة العبودية القديمة، يعكس خللًا في فهم اللحظة ومعنى الانتماء. لكن القراءة التي يقدمها النص تبقى محصورة داخل الذات الإسرائيلية واليهودية، ولا تلتفت بالقدر الكافي إلى أن الحرب نفسها تدور على أرض فلسطينية منكوبة، وأن غزة تدفع الثمن الأفدح تحت ضربات إسرائيلية متواصلة.

 

الخروج عبر مصر بين الضرورة والرمزية

 

يقول التقرير إن تصاعد الحرب دفع بعض المدارس الدينية إلى الإغلاق، فوجد طلاب أميركيون صغار السن أنفسهم أمام ضرورة البحث عن طريق عودة سريع. عندها اختارت بعض العائلات مسارات برية عبر مصر أو الأردن، هربًا من تعقيدات الرحلات الجوية وعدم اليقين المحيط بمطار بن غوريون. وقد دافعت بعض الأسر عن هذا الخيار باعتباره حلًا عمليًا يخفف الضغط النفسي على الأبناء، خاصة مع استمرار صفارات الإنذار والرغبة في لمّ شمل الأسرة قبل العيد.

 

غير أن رينوف رفضت هذا المنطق بشدة، وقالت إن المشكلة لا تكمن في مغادرة إسرائيل بحد ذاتها، بل في الاتجاه إلى مصر أو الأردن والاعتماد على ما وصفته بأيدٍ عربية. واعتبرت أن الصبر والثقة كانا كفيلين بانتظار رحلات طوارئ، بدل سلوك طريق رأت فيه مخاطرة رمزية وأمنية. هنا يظهر جوهر الخطاب الذي ينقله التقرير: خوف من الآخر العربي، وتقديس لفكرة البقاء داخل الجماعة، في وقت تتجاهل فيه هذه المقاربة أن العرب، وبخاصة الفلسطينيين في غزة، ليسوا مجرد خلفية رمزية أو جغرافية، بل بشر يواجهون آلة حرب إسرائيلية مدمرة.

 

مسؤولية المدارس وخيبة الثقة الجماعية

 

يستعرض النص جدلًا آخر بشأن دور المعاهد الدينية. فقد أشار مقدم الحوار إلى أن بعض المدارس تركت الطلاب يواجهون مصيرهم ويبحثون وحدهم عن طريق العودة، لكن رينوف نفت ذلك، وقالت إن بعض الإدارات رفضت سفر الطالبات عبر مصر أو الأردن، فيما وفرت أخرى حلولًا بديلة مثل الإقامة في بيوت المعلمات. وبذلك حاولت تبرئة هذه المؤسسات من تهمة التخلي الكامل عن طلابها.

 

غير أن الأهم في كلامها لم يكن الجانب التنظيمي، بل شعورها بخيبة أعمق من انهيار الثقة الجماعية. فقد رأت أن الأمهات في أميركا كان ينبغي أن يثقن بأن أبناءهن سيجدون من يستضيفهم ويؤمن لهم مخرجًا آمنًا داخل المجتمع اليهودي نفسه، بدل البحث عن مخارج خارجية. ومن هذا المنطلق، تحوّل النقاش عندها إلى مرثية أخلاقية عن ضعف التضامن الداخلي أكثر من كونه نقاشًا لوجستيًا حول سبل الإجلاء.

 

انقسام بين يهود الداخل والخارج.. وغزة خارج المشهد

 

يمضي التقرير إلى أبعد من حادثة السفر، فيربطها بالهوة المتسعة بين الإسرائيليين ويهود الشتات. فقد رأى مقدم الحوار أن بعض الإسرائيليين يميلون إلى التعامل مع اليهود الأميركيين باعتبارهم أقل التزامًا أو أقل أصالة، فيما أقرت رينوف بأن بعض الطلاب الأميركيين يبدون أصلًا نفورًا من الحياة في إسرائيل. ومن هنا بدا الجدل كله انعكاسًا لسؤال أوسع عن معنى الاختيار والانتماء ومن يملك حق تعريف الهوية اليهودية.

 

وتعود رينوف في نهاية الحوار إلى لغة دينية تعتبر الإقامة في إسرائيل اصطفاءً أو نداءً خاصًا، وتوحي بأن من يرفضون هذا النداء ربما يصدّون اختيارًا إلهيًا. لكن هذا الطرح، كما يقدمه التقرير، يظل محصورًا في عالم رمزي مغلق، بينما يغيب عنه المشهد الأكثر إلحاحًا: فإسرائيل التي يناقش بعضهم صعوبة الخروج منها أو البقاء فيها، تواصل في المقابل فرض واقع كارثي على غزة، حيث يقتل الجيش الإسرائيلي المدنيين، ويدمر الأحياء، ويضيّق سبل الحياة على السكان. ولهذا تكشف هذه المادة، من حيث لا تقصد، مقدار الانفصال بين نقاشات الهوية داخل المجتمع اليهودي وبين الكلفة الإنسانية الهائلة التي يدفعها الفلسطينيون على الأرض.

 

https://www.youtube.com/watch?v=epfLw7bblUg